موريتانيا:الرماية التقليدية ودورها في مهرجان المدن القديمة..إلى أين؟

نوفمبر 21, 2019

يعتبر مهرجان المدن القديمة بادرة طيبة، ولفتة كريمة من لدن السيد محمد ولد عبد العزيز رئيس الجمهورية ،اذ يهدف المهرجان الى نفض الغبار عن جزء مهم من تاريخنا بل ومن التاريخ الإنساني ككل، حيث شكلت هذه المدن قلاعا علمية متميزة أنارت إفريقيا والعالم عبر علمائها ومشايخها، وظلت لقرون عديدة من أهم طرق القوافل عبر الصحراء.

من جهة أخرى يعتبر المهرجان قنطرة مهمة تربط الأجيال الحديثة بالقديمة وذلك من خلال الاطلاع على انجازات السلف الجبارة على الرغم من الظروف الصعبة ومدى قدرتهم على المواجهة والصمود، وكيف حافظوا على هويتنا في هذه الصحراء الشاسعة واثبتوا أن الإنسان الموريتاني قادر على الإبداع والتطور في كل زمان ومكان. و تلك لعمري معاني نحن في اشد الحاجة الى استنهاضها اليوم لمواجهة المخاطر التي تهدد هويتنا بل وجودنا ككل.

أخي القارئ..

قبل التطرق للمهرجان ودور الرماية التقليدية فيه و الذي هو موضوعنا اليوم، نقدم فيما يلي وصفا لمدينة تشيت صاحبة النسخة الثالثة من مهرجان المدن القديمة.

هي مدينة على ربوة في حضن جبل يحرسها من الشرق والشمال، وكثبان بلون الثلج تحتضنها من الغرب والجنوب، أما هي فقد اختارت اللون الرمادي ربما لتختفي عن الأعداء وتفاجئهم على حين غرة، وقد تربعت فوق وادي نخيل في سفحها يخاله الوافد لا حياة فيه، وما أن يصله حتى يرى النخل باسقات تدب فيها الحياة وقد تحدت الإهمال وآفات الزمن. لقد أجبرت الجبال والكثبان الرملية العالية على المدينة ان تكون ممرا إجباريا لقوافل الصحراء المارة من الشمال والغرب.

لقد صمدت تيشيت ضد عاديات الزمن ورياح الصحراء وتقلباتها، وضد الجفاف وهجرة أهلها، فبقيت شامخة شموخ جبالها صابرة كصبرهم، تدخلها فتحييك مؤذنة جامها العتيق قائلة: اصبر فان الله مع الصابرين، فلولا صبرك على الطريق الطويل والشاق لما وصلت إلينا فأهلا بك طاب مقامك وتحقق رجاؤك إنشاء الله.

ولقد كان لي شرف المشاركة في إطار مسابقة الرماية التقليدية(كاس رئيس الجمهورية)، وعلى الرغم من مشقة الطريق والبعد فقد كان الجميع حريصون على المشاركة وبالأخص فرق الرماية التقليدية، فقد قاربت أعداد الفرق المشاركة الأربعون فريقا.

تشكل الرماية التقليدية رافدا أساسيا بل محوريا في مهرجان المدن القديمة من الناحية الاقتصادية والمعنوية نظرا لعدد المشاركين(يتكون كل فريق من 12 راميا)،والإمكانات المادية المسخرة لهذا الغرض من قبل الفرق المشاركة، وعلى الرغم من ذلك لم تعكس المهرجانات المتتالية الإبعاد الوطنية والرمزية التي تجسدها هذه الرياضة، الأمر الذي تجلى في بعد الرماية التقليدية عن التفاصيل اليومية للمهرجان وظهورها كنشاط دخيل لا صلة له بالإحداث.

وحتى خطاب رئيس الاتحادية لم يتطرق الى هذه المعاني السامية ولا الى الأهداف التي انشات من اجلها الاتحادية، واكتفى باظهار دور السيد الرئيس محمد ولد عبد العزيز في تذليل الصعاب أمام منتسبي الاتحادية كالترخيص للبنادق وتوفير الرصاص، وهي أمور لا مراء في أهميتها ولكن المقام كبير وفرصة متميزة كان ينبغي لرئيس الاتحادية اغتنامها للتعبير عن المشاكل المطروحة، وما تمثله الرماية من أصالة تتجلى فيها قيم الفروسية والنخوة، وليس مجرد رقم يضاف الى نشاطات مهرجان المدن القديمة. هذا من جهة. ومن جهة أخرى لا اعتقد ان السيد رئيس الجمهورية كان ينتظر من منتسبي الرماية إبداء الإعجاب والثناء على ما قدمه سيادته للرماية وحسب، بل يريد ان يرى مدى انعكاسية هذا الدعم على دور الاتحادية وخاصة في المهرجان وهو ما لم يجده للأسف في خطاب رئس الاتحادية.

كما أن واقع حال الاتحادية ومساهمتها لا يمثل هذه الطموحات والأهداف التي على أساسها وضعت فكرة مهرجان المدن القديمة، والتي من ضمنها حتما توعية الأجيال الجديدة بأهمية الرماية التقليدية ودورها في مقاومة الاستعمار، وتحرير البلاد، فكم كان جميلا ان تحمل إحدى الدورات اسم احد أبطال المقاومة، وأنا على يقين من أن السيد رئيس الجمهورية سيكون من أول المشجعين لهذا الطرح لما عرفناه عنه من اهتمام بالمقاومة وإبطالها، فهو أول رئيس موريتاني يؤسس جمعية لتمجيد بطولات المقاومة.

ولقد حز في نفسي وفي نفوس غالبية الرماة مدى الاستلاب الحضاري الذي وصلنا اليه، وذلك من خلال استخدام اللغة الفرنسية إثناء دورات الرماية، وهو في الحقيقة أمر اقل ما يقال عنه انه مخزي فعلا، فكيف نستخدم لغة المستعمر في نشاط كان سببا في هزيمة المستعمر نفسه؟!.

أخي القارئ.

لقد كانت دوافعي لكتابة هذا الموضوع هي حبي لوطني أولا وحبي للرماية التقليدية ثانيا، فلولا ارتباط هذه الرماية بالقيم الوطنية الأصيلة لما أحببتها ولا أحبها غيري، فهي عندما تخلو من تلك القيم تصبح مجرد رمي للرصاص على أهداف جامدة؟، لا روح فيها ولا معنى.

كما إنني لا أوجه ما اكتب من نقد لغرض شخصي،وإنما محاولة لتوجيه القائمين على شؤون الاتحادية ليتحملوا مسؤولياتهم للنهوض بهذه الرياضة النبيلة والدفاع عنها، ومحاولة الحصول لها على دعم يليق بها ،وليس مجرد استخدامها لإغراض اربأ بكل منتسبيها عنها، ونحن نعرف أن فخامة الرئيس سيتسع صدره لكل المطالب مهما كثرت أحرى أن تكون مطالب مشروعة تخدم مصلحة البلد وتاريخه.

فمتى تكون الرماية التقليدية جزءا مميزا ومتميزا في مهرجان المدن القديمة….؟؟؟؟؟.

الدكتور. اعلي ولد المحجوب.

 

إعلان

إعلان

فيديو