مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج:الشارقة شمس العربية “صورة”

سبتمبر 9, 2019

تتجلَّى مكانة الشارقة في خارطة اللغات العالمية بالنهوض الواعي للغة العربية؛ فالشارقة أصبحت اليوم أيقونة اللغة العربية؛ فهي سَبَّاقة في دعمها ورعايتها، حيث تحتضن اليوم مؤسَّسات عِدَّة في مجالات اللغة العربية؛ فمجمع اللغة العربية بالشارقة يختص بالمعاجم، والمركز التربوي للغة العربية لدول الخليج بالشارقة يختص بتعليم اللغة العربية، وجمعية حماية اللغة العربية تختص بحمايتها وصونها، ومبادرة (لغتي) تختص بتوظيف التقنيات الحديثة في تعليمها، وهكذا. لذا، فإن الشارقة اليوم هي مَقَرُّ امتيازٍ للغة العربية، والوجهة الأولى للمهتمين بها المنطلقين إلى استنهاض مكانتها التاريخية؛ إيماناً من الشارقة بمكانة اللغة العربية العظيمة تاريخيًاً، واستشرافها مستقبلًا، نظراً لأثرها الشامخ في بناء الحضارة. فاللغة هي عمود الحضارة وأساسها المتجذِّر في أعماقها، فباللغة تُبْنَى الحضارة. فهل تُبْنَى حضارتنا بغير العربية؟ وهذا هو المسار الصحيح الذي تتبناه الشارقة في بناء الحضارة، وذلك لأنه كلما قويت لغة قوم قويت حضارتهم، وكلما ضعفت ضعفت حضارتهم، كما قال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة: «إن اللغة جزء لا يتجزأ من نفوسنا، ويجب ألَّا نهملها حتى لا نُهْمَل، ولا يصح أن نُضْعِفَها فنضعف بها»، وذلك إيماناً من سُمُوِّه بأن الحضارة ليست فقط أبراجًا ومبانيَ شامخات، وإنما الحضارة هي فكر ووجدان للإنسان. وفي العربية قصة حياة لا تموت؛ إذ قال تعالى: إنَّا نحنُ نزَّلنا الذّكر وإنَّا لهُ لحافظُون [سورة الحجر: 9] فقد تكفَّل الله بحفظ العربية بِتَكَفُّلِه بحفظ القرآن الكريم.

ومن هذا المنطلق، فإن الفكر والوجدان هما اللذان كان لهما الأثر في بناء الحضارات السابقة، فذهبت المباني والأركان، وبقي الفكر العربي والوجدان؛ لذلك ظَلَّ الإنسان محفوظًا في أحضان العربية التي نسجت لنا علومًا وثقافات وفنون وآدابًا على مَرِّ القرون الماضيات، وهذا هو الإرث الأصيل الذي حفظته لنا العربية على مَرِّ الزمن. فالعربية أصالة، والعربية تاريخ، والعربية حضارة، والعربية علم وثقافة، بل العربية هوية وطنية وخليجية وعربية وإسلامية، فَأَنَّى لنا أن نستغني عن هويتنا! لذا فإن الشارقة هي شمس العربية المشرقة الوضَّاءة بأصالتها في هويتها القائمة على أساس ما تُولِيه من اهتمام باللغة العربية. فباللغة تُبْنَى الحضارات. وعلاقة اللغة العربية بالحضارة علاقة وثيقة صادقة شامخة، وخير شاهد على ذلك ما نسجته الحضارة العربية لنا على مَرِّ التاريخ العربي، وهنا نعود مرة أخرى ونقول: لماذا أصبحت الشارقة شمس العربية؟ لأنها بعد تَمَعُّن ونَظَرٍ تبنَّت فكرة أن اللغة العربية هي أساس بناء الحضارة، بل هي أداة حفظ ونسج الحضارة. فلا يمكن أن تُنْسَج حضارة قوم بغير لغتهم فتنسب إلى غيرهم، ولأن اللغة العربية هي وعاء الثقافة وأداتها كما قال صاحب السمو حاكم الشارقة – حفظه الله – في كلمة سموه بمناسبة احتفالية اليوم العالمي للغة العربية عام 2016 بعنوان (انتشار اللغة العربية): «مشروع حماية اللغة العربية والنهوض بها جزء من مشروع الشارقة الثقافي الذي يضم التراث والمسرح والشعر والكتاب والفنون»، وفي هذا تأصيل لهوية الثقافة إيمانًا من سُمُوِّه بأن المحافظة على أصالة الثقافة، وأن صناعتها ونصاعتها إنما هي باللغة العربية، وهذا هو المسار الصحيح، والقول الفصل الحكيم من فِكْرٍ راقٍ يُقَدِّرُ الثقافة والفكر واللغة وأبعاد الحضارة.

ثم نعود مرة أخرى ونتساءل: لماذا الشارقة شمس العربية؟ إذْ يشرق منها فكر سلطان العروبة الذي يتبنَّى الفكر الحكيم في النهوض باللغة العربية، حتى امتد هذا الفكر اللغوي العربي امتداد الوطن العربي، وتُرْجِمَ إلى واقعٍ عملي في الأقطار العربية برعاية ودعم سُمُوِّهِ الكريم المستمر للغة العربية. فَأَنَّى اتَّجهتَ إلى العربية في بلد تجد فيها إشراقة من شمس الشارقة متمثلة في مَعْلَمٍ حضاري، وصَرْحٍ مُمَرَّدٍ بحروف العربية يعكس مدى اهتمام ورؤية صاحب السمو حاكم الشارقة في أنَّ أَمَلَ النهوض باللغة العربية إنما هو بدعم رجالها المختصين ومؤسَّساتها الرامية للنهوض بها. فإذا أخذ بك المسير في خارطة العربية بين بلدانها ومدنها، رأيت للشارقة شعاعها المضيء في صورة مَعْلَمٍ لغوي شامخ يسعى لتمكين العربية والنهوض بها. ففي القاهرة يشع مبنى اتحاد المجامع الذي يأتي في قمة هرم معالم اللغة العربية، وإذا حَلَّقَتْ بك العربية إلى المدن الأخرى بمصر العروبة فستجد شعاعًا آخر يتجلَّى في صورة بيت الشعر العربي في مدينة الأقصر، وإذا حلقت بك العربية جنوبًا فستجد بيت الشعر العربي في الخرطوم بالسودان، وإذا حلقت معها إلى الأردن فستجد بيت الشعر العربي في مدينة المفرق، وإذا حلقت بك العربية غربًا في تونس فستجد بيت الشعر العربي في القيروان، وهكذا في تطوان ومراكش بالمملكة المغربية، حتى إذا بلغ أحدنا إلى مغرب الشمس في نواكشوط بموريتانيا فسيرى ذلك الشعاع اللغوي الذي يمتد من الشارقة إلى بلد المليون شاعر – كما يقال- وهو مجلس اللسان العربي الذي تم تَشْيِيده وتأسيسه برعاية كريمة من صاحب السمو حاكم الشارقة -حفظه الله – وذلك تعزيزًا للنهوض باللغة العربية، ذلك المجلس اللساني المبين الذي اختتم فعالياته قبل عدة أيام في نواكشوط بالتعاون مع مجمع اللغة العربية بالشارقة مؤتمر (اللغة العربية في إفريقيا) تحت رعاية سموه لتمكين الباحثين في إفريقيا من النهوض باللغة العربية التي كانت وما زالت تاريخًا متجذرًا في حضارتها.

وهكذا أصبحت الشارقة شمس العربية تشرق بعروبتها الأصيلة وبأشعتها المذهبة بحروف العربية الممتدة في العديد من الأقطار العربية على امتداد الوطن العربي من الشرق إلى أقصى الغرب. وختامًا أقول لكِ شارقتي شمس العربية ما قاله النابغة الذبياني:

فإنَّكِ شمسٌ والنجومُ كواكبُ *إذا طلعتْ لم يَبْدُ منهنَّ كوكبُ

مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج/د.عيسى صالح الحمادي.

 

 

 

إعلان

إعلان

فيديو